لا أحد يدري عنك غيري، لهم أنت المجهول، أما لي، فأنت الخيال الجميل، مر المذاق، الذي لايزال يراودني. أركض بعيدًا لأتخلص منه -أو هكذا أظن- آخذ الكثير والكثير من الوقت لأستوعب أنني أركض وألهث في حين أن جذعي مربوط بحبل خشن في شجرة عارية، كليهما أنت. أركض وأركض، أروح ألهث ويقطر جبيني بالعرق لكنني لا أقوَ على التوقف فلا أجلس في ظل شجرة ولا أصل إلى وجهتي. توقف بي الدوران حيث كان لقاؤنا الأول وكانت قبلتنا الأخيرة، ومنذ ذلك الحين أراك في الطرقات المكتظة الخالية، وأراني معك، أقرب إليك مما افترقنا عليه؛ فتهدأ سريرتي لرؤية سعادتي.. تمامًا مثلما كنت أتمنى.

أسير الآن بوجه هادئ وقلب آمِل، يعلم أنك لن تلمحه بطرف عينيك، لكنه دائمًا مايردد: “ربما” وبكل ‘ربما’ تخرج منه، ينبثق منها أمل يسير في دمائي وترتفع قدماي عن الأرض شبرًا، لعلي أطرق باب سمائك يومًا. وبكل غرابة، يجيئني يقين أنني قد وصلت إليك بعد أن طاح بي الفراق، فرُحت أطرق طرقات واهنة مستحية. لكنني.. لكنني لم أجدك.

Advertisements

أتظن أنه مجنون؟ فكر مرتين.

رفعت صوتها في وجه ال”سايس” موبخة: “انت ازاي تزعق لي كدة؟ انت مجنون؟” فرد السايس الإهانة قائلاً: “ده أنت اللي مجنونة وستين مجنونة.”

استمر الجدال الذي انتهى باتصال الفتاة بأحد الضباط الذي على الأغلب من أحد معارفها.. اختفى السايس وتلاشى الجمع وظلت عبارة “انت اللي مجنونة وستين مجنونة” ترن في أذني.. ماذا فعلت الفتاة ليقال عليها مجنونة وستين مجنونة؟ وهل كان رفع صوته عليها سبباً لنعته بالجنون هو الآخر؟ شيء غريب يا أخي.

إن فكرنا ملياً سنجد أننا ننعت كل ما هو غريب علينا بالجنون المطلق، أو إن كنا رقيقي الكلام سننعته بالاختلال.

ليتها كانت بتلك البساطة والله.

قبل أن أشرع بالحديث عما نسميه الجنون من وجهة نظر علم النفس، سأتناول بشكل مختصر سلوك الشخصية المعادية للمجتمع Antisocial behavior).

السلوك المعادي للمجتمع هو السلوك الذي يكون به أذى أو عدم اكتراث لسلامة النفس أو الآخرين ويكون ذلك السلوك هو أساس اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع

(Antisocial Personality Disorder)

الذي لا يتم تشخيصه قبل سن الثامنة عشر، وتظهر أعراضه غالباً في مرحلة المراهقة وأبرزها هي:

كسر القوانين بشكل متكرر.           – الكذب المتكرر

عنف جسدي.               –  تهاون متهور لسلامة النفس والآخرين.

قلة الشعور بالندم.

 

سوف أقسم حديثي إلى شقين.

الأول: سأتحدث عن النوع المتطرف مما نسميه في الحياة اليومية بال(جنون).. أو بمعنى آخر، السايكوباتية أو الاعتلال النفسي أو

(Psychopathy)

لنستذكر سوياً فيلم

Christian Bale

 الذي عرض عام 2000  باسم

(American Psycho)

يحكي الفيلم قصة Patrick Bateman موظف بالبنك، غني لأبعد الحدود، مباهي جداً بثروته، شديد الاعتناء بنفسه وبحبيبته، يعمل كقاتل محترف ليلاً.

يستغل صديقاته جنسياً ثم يقتلهن ويفلت من العقاب وكذلك أصدقائه، دون أي اكتراث أو شعور بالندم أو حتى سبب مباشر، فقط متعة القتل والاحتفاظ برؤوسهم في ثلاجة المنزل.

السايكوباتية عموماً تعتبر خللاً جينياً واختلالاً في توازن كيميائيات الجسم غالباً ما ينتج بسبب تلف في اللوزة المخية  تلك المسؤولة عن توليد الشعور بالتعاطف والشعور بالندم والخوف.

الأشخاص المعتلون نفسياً غالباً ما يكونون أصحاب (كاريزما) وإطلالة آسرة للجميع، ذلك السحر الذي يستغلونه بشكل جيد جداً لصالحهم، فيستغلون ضحاياهم لرغباتهم المنحرفة إن لم يكن بسحر شخصياتهم فسيكون بتخويفهم.

200_s

في نفس الوقت يستطيع المعتلون نفسياً إخفاء مشاعرهم الحقيقية بجدارة كبيرة ليظهروا للمجتمع كأشخاص “طبيعيين” فنعم، من المرجح أن يكون الجالس بجانبك الآن معتلاً نفسياً يخطط لإلحاق الأذى بك بطرق عديدة.

وإن فعل، على الأغلب لن تستطيع إثبات شيء لأن السلوك الإجرامي المنظم والمخطط له بشكل جيد هو من إحدى خصالهم. في دراسة أجريت عام ٢٠٠٢ وُجد آن ٩٣.٣٪ من جرائم القتل التي اتهم بها أشخاص معتلون نفسياً قد تمت بشكل منظم ومرتب بالمقارنة ب٤٨.٤٪ من جرائم القتل التي اتهم بها أشخاص غير معتلون نفسياً.

يمكن تجميع صفات المعتلين نفسياً كالآتي:

– عدم الشعور بالندم.

– عدم الشعور بالتعاطف.

– النرجسية.

– التلاعب.

– الكذب المتكرر بشكل احترافي يصل إلى قدرتهم على تخطي أجهزة كشف الكذب بمنتهى السهولة.

– عدم القدرة على تكوين أي علاقة عميقة مع أي شخص من الأشخاص.

المعتلون نفسياً أو السايكوباثيون هم أخطر المصابون باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع لأنهم يعلمون مدى فداحة ما يقومون به لكنهم بكل بساطة، لا يهتمون، ويرون أن الناس ما هم إلا فضلات بيولوجية يجب التخلص منها.

“I have no desire whatever to reform myself. My only desire is to reform people who try to reform me. And I believe that the only way to reform people is to kill ’em.”
― Carl PanzramPanzram: A Journal of Murder

*كارل بانزرام كان من أشرس القتلة في القرن العشرين، وصل عدد ضحاياه إلى ٢٢ ضحية قبل أن يتم إعدامه عام ١٩٣٠.

الشق الثاني: الشخصية المعتلة اجتماعياً أو السوسيوباثية أو

Sociopathy

قُدمت هذه الكلمة إلى العالم لأول مرة عام ١٩٠٩ في ألمانيا على يد العالم كارل بيرنباوم ويقصد بها وصف كل شخص يحمل صفات الشخصية المعادية للمجتمع بشكل متطرف إلى حد كبير. تكون الإصابة بالاعتلال الاجتماعي إما خلقية أو مكتسبة إما بالتربية أو بالتعاملات اليومية مع الأفراد ولا يتم تشخيصها كذلك قبل سن الثامنة عشر ويكون قد ظهر عليها أعراض الشخصية المعادية للمجتمع في سن المراهقة كما ذكرت من قبل.

للوهلة الأولى ستظن أن لا فرق بين السايكوباثية السالف ذكرها والسوسيوباثية، لكن الفارق دقيق وبسيط جداً.

الشخصية المعتلة اجتماعياً لا تفرق عن المعتلة نفسياً، فكلاهما يواجه مشكلة في الشعور بالتعاطف والندم وتكوين العلاقات وكلاهما كاذبان محترفان ومتهوران. لكن الفرق على دقته فهو مهم جداً ولا يمكن إغفاله.

الشخصية المعتلة اجتماعياً على عكس الشخصية المعتلة نفسياً، تكون فوضوية إلى حد كبير ولا تستطيع التحكم في عواطفها، تحديداً غضبها الذي يكون سريع الانفجار دون إدراك منهم للعواقب.

لا ينعدم الشعور بالتعاطف والندم لدى المعتلين اجتماعياً بشكل تام، بل يستطيعون الشعور بهما نحو أولئك الذين يكونون معهم رابطة عميقة، كأفراد العائلة مثلاً.

نصل إلى الاختلاف الثالث: هو قدرتهم على تكوين روابط عميقة مع الأشخاص المحيطين وتكوين مشاعر تجاههم، لكن ليس بسهولة تامة. يقدر السوسيوباثي ألا يشعر بالندم تجاه الغرباء إن أذاهم لكنه يشعر بالندم إن كان الأذى موجهاً لأولئك المقربين منه، وغالباً ما يكون الأذى بشكل أذىً عاطفي لا جسدي عن طريق التلاعب والكذب.

الاختلاف الرابع والأهم من وجهة نظري هو قدرتهم على الاندماج في مجتمعهم والتعامل معه بشكل يومي

الشخصية المعتلة اجتماعياً أقل تنظيماً في سلوكها الإجرامي وفي حياتها اليومية بشكل عام، فهذا يجعلهم يعيشون دون استقرار في عملهم وتعاملاتهم.

يمكننا القول، أن كل السايكوباثيين هم سوسيوباثيين والعكس غير صحيح وكلاهما مصابان باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

تلخيصاً، الشخصية السوسيوباثية لن تقتلك أو تؤذيك جسدياً إن كنت من كارهي الأذى الجسدي، لكنها على الأرجح ستتلاعب بعواطفك وتؤذي مشاعرك بطريقة ما إن لم تكن من أشخاصها المفضلين.

نهاية، أرجو أن يكون حديثي هذا سيجعلك تفكر مرتين قبل أن تنعت أحداً بالجنون وأمه ثم تذهب مبتعداً بسيارتك.

اكتب لي رسالة

القِ عليّ فيها السلام أولاً، ثم أخبرني عن حالك، أما زال متوتراً وحزيناً كما تركته في المرة السابقة؟

أخبرني عن ذلك الحزن الساكن الهادئ الذي لا تكاد تشعر به وهو يقتلك شيئاً فشيئاً، وعن ذلك الحزن الآخر الذي جف والتصق بك ولا تقوى على إبعاده.

حدثني في رسالتك عما حدث قبلي وما يحدث أثناء وجودي.. داخل رأسك، في يومك.. ابدأ بشيء قد تراه تافهاً، فيلمك الجديد المفضل، أغنية رافقت ذهنك وتريد معرفة صاحبها، ثم ابدأ بالحديث عن المستقبل.. أو بطريقة أخرى، الغدُ، كيف تراه؟ وفي أثناء حديثك عن الغد أخبرني إن كنت تراني فيه مثلما أفعل.

لا أعهدك كثير الحديث، فلا أنتظر أن تملأ كلماتك الصفحة، لكنها من المؤكد ستحتوي على ما أتوق لمعرفته ولا تفتح لي عبارة “كل شيء على خير مايرام” التي تقولها سوى كوة صغيرة جداً تطل على كل ماهو ليس على خير مايرام.

لا أطلب سوى رسالة بين كل حين وآخر، رسالة وحيدة تفتح لي نافذة أكبر بقليل ليطل منها ذلك الطفل الذي لن يتوقف عن التحايل لمعرفة أحوالك.

أمي حصة..

أول تجربة مع سعود السنعوسي الذي كان بمثابة صدمة لي كقارئة تمقت معظم ما قرأته للكتاب الخليجيين. لا أدري ما كان الدافع للإمساك بالرواية وبدء القراءة فيها، لكنني أشكر الملل الذي دفعني لكسر الحاجز الذي بنيته بيني وبين الكتّاب الخليجيين ماعدا قلة منهم لم أظن أن السنعوسي سيكون منها ربما لقلة اهتمامي بأدب عدا الأدب المصري.

تبدأ الرواية بكلمة لشخصية فؤادة من مسلسل “على الدنيا السلام” تقول فيها:

“أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن؛ الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!”

الحكاية التي بين أيدينا لم تأتِ على لسان أمي حصة، سردناها جميعاً وحكنا بداياتها وحصدنا نهاياتها التي لم تأت بعد، لكنها قادمة لا محالة.

إذن.. زور ابن الزرزور اللي عمره ما كذب ولا حلف زور.

هكذا كانت تبدأ أمي حصة حكاياتها لأطفال لم تتجاوز أعمارهم العشر سنوات، وهكذا بدأ السنعوسي روايته.

يمكننا تقسيم الرواية إلى جزئين، أو إلى روايتين تقود إحداهما إلى الأخرى بعلاقة السبب والنتيجة.

  • الرواية الأولى

هي حكاية أمي حصة أو حكاية الكويت من عينيّ طفل كبرنا معه إلى أن جاوز الأربعين في الرواية الثانية.. نبدأ معه طالباً في المدرسة الابتدائية في منطقة السرة مع صديقيه، فهد بن صالح (السنّي) وصادق بن عباس (الشيعيّ) وكيف ارتبط بهما كصديقَيه الوحيدَين دائما الاختلاف لاختلاف لم ينته بين أبويهم.

الرواية الأولى هي حكاية جيلين. الجيل الأول: جيل الآباء. صالح، والد فهد السنيّ المتعصب، الذي يخاف كل شيء ويتبع الكلام الذي يُنقل إليه. يتعصب لصدام حسين لمناهضته للمذهب الآخر ويخشى على نساء بيته من الأذى إلى حد يدفعه إلى أن يؤذيهم هو الآخر. عباس، والد صادق الشيعيّ المتعصب لمذهبه كذلك، يوالي الثورة الإسلامية في إيران، يعلق صوراً للخميني في منزله. يكره الأبوين بعضهما بل  ينتهزان أقل فرصة لإخراج الكراهية التي بداخلهما تجاه الآخر تحت راية “نحن وهم” وبالطبع تتفوق ال”نحن” على ال”هم” من وجهة نظر كل منهما.

والجيل الثاني: جيل الأبناء، الجيل الذي كبتت أسئلته وحرمت، يذكر السنعوسي ما رآه الراوي من اختلافات لم يقدر عقله على ترجمتها، لماذا لا يأكل عمي عباس ال”قبقب”؟ لماذا لا يأكل عمي صالح من الأكل الذي ترسله “بيبي زينب”؟ السؤال الأهم، هل حديقة الحيوان في العمرية أم العميرية؟

ينتقل بنا السنعوسي خلال الرواية إلى أحداث حدثت في الكويت ساهمت بشكل كبير في تشكيل الحاضر، الثورة في إيران، حرب العراق وإيران، الغزو العراقي للكويت الذي أدى إلى ظهور ثقافة محو الآخر بشكل فج بعد أن كانت كامنة في بيت الأسرتين.. من طرد الفلسطينيين عقب الغزو إلى كراهية كل ما هو عراقي أو يمت لبلاد لرافدين بصلة.

في الجزء الأخير من الرواية، عندما كبر “كتكوت” وصديقاه، كبرت معه أسئلته وغدت أفعالاً وغضباً ورغبةً في نشر الوعي في مجتمع ينساق خلف رسائل ال”البلوتوث” ويخيل له رغم ذلك أن مجتمعه مجتمع مثالي يجمع الطوائف دون أية ضغائن. لم يتحمل ذلك النفاق وهو الذي نشأ وسط بذور الفتنة.

انتهى به الأمر إلى تأسيس جماعة “أولاد فؤادة” لتحذر الناس من خطر الطاعون القادم ومع مرور الوقت كبرت الجماعة من سبعة أفراد إلى سبعين إلى الكثير.

  • الرواية الثانية

هي الواقع الافتراضي الذي يحدث الآن في عام ٢٠٢٠، حيث ضربت الحرب الأهلية الكويت نتيجة تفشي ثقافة تفوق ال”نحن” على ال”هم”، لا أدري إن كان ذلك الواقع هو الرماد الذي خلفته نار السنين السابقة، أم هو النار التي ستترك رماداً. “كفانا الله شر النار” هكذا ما كانت ستقوله أمي حصة إن سمعت هذا الكلام.

 يبدأ الواقع الدستوبي بكويت خربتها الحرب الأهلية بين سنة وشيعة أدت إلى مزيد من الانقسامات، نرى الخوف شائع في أنحاء بلاد تكتسب سمعة أنها الجنة التي تحتوي جميع الطوائف دون تفرقة.

يبدأ الواقع الدستوبي في الرواية تحديداً في الساعة الثانية عشر ظهراً ويستمر لإثنتي عشرة ساعة تبين للقارئ أن حصاد 23 سنة من  الكراهية الكامنة يمكن أن تراه في ساعات من يوم ما.


امتلك سعود السنعوسي اللغة ومدّه الواقع بمحتوى شائك ليغير صورة يوتوبيا التي بأذهاننا وينبهنا على طريقة فؤادة بأن الفئران قادمة، لدرجة أدت إلى منع الكتاب في بلده خوفاً من أن يكدر الصفو العام على ما أظن.

ثقافة محو الغير ترمز إليها أمي حصة في قصة شهاب و سهيل، الصديقان الذي دخلت بينهما الفئران وفرقتهما ليعيثوا في أرضهما فساداً.

ودخلت الفئران بين شهاب وسهيل الرواية.

مات من مات وعاش من عاش لكن الفئران بقيت وأنهى السنعوسي روايته بجيل ثالث سيطرد تلك الفئران وتباعات الجيف إن لم تُكبت أسئلته.

نهايةً..

أرى أن سعود السنعوسي من الكتّاب الذين لا تقفز صفحات عدة من كتبهم لاستعجال النهاية.. يملك ما يكفيه ليجعلك تقرأ صفحة صفحة من كتبه. أرى أنه من الكتّاب الذي قد تحمل همهم الرقابة خوفاً على الصفو العام من التكدير.

إنها ليست رواية للكويت ومن فيها فقط. ليست قصة سنة وشيعة فقط. ليست قصة صالح وعباس فقط.

 

 

في مرحلتي العمرية هذه و في هذه الفترة تحديداً و في أثناء انشغالي باختبارات الثانوية العامة و الضغط الشديد من كل جانب، في وقت الفراغ القليل الذي أحظى به يشغلني التفكير في شيء واحد فقط.. 

أتأمل كيف كنت منذ عامين من الآن، عامان فقط، كنت أظن فيهم أنني قد وصلت من الخبرة و الدراية بالنفس البشرية عموماً و نفسي خاصة ما يكفيني لمواجهة كل شيء بمفردي. لأتفاجأ بجديد لم أكن على علم بوجوده، و أتفاجأ بأن معرفتي بما هو حولي على الرغم من ظني أنها واسعة إلا أنها دائماً ليست بكافية. لأجد نفسي في حاجة ماسة بل و ملحّة ليد تربت على كتفي، حتى و إن كانت ستساعد في دفعي نحو هاوية الليالي الباردة يوماً. أخاف جداً و أبكي ليلاً لكن بداخلي تلك الجذوة التي تدفعني للاستيقاظ كل يوم و استئناف المواجهة. 

معرفة النفس البشرية قد تكون صادمة و محزنة في كثير من الأحيان، لكن من جانب آخر و بعملية حسابية بسيطة، أجد أن حجم الربح يساوي أضعاف أضعاف الخسارة، و أن الخسارة التي ظننت يوماً أنها قاسمة لظهري، ما هي إلا خطأ إملائي بسيط يمكن التغاضي عنه. 

ما يستوقفني حقاً هو كيفية تعاملي مع ما أواجه من أزمات -على تفاهتها في نظر البعض- و كيف تتشكل ملامح نفسي مع كل عقبة أتخطاها و كل هدف أحققه. أجد أنني مع كل مرة ظننت فيها أن لياليّ الباردة، البائسة، الوحيدة سوف تدوم، أحيا مقابلها أياماً من السلام مع كل ما هو حولي و أولهم نفسي. 

تغيرت نفسي كثيراً، بكَت، انتحبت، استنجدَت، هرولت، ركضت، تعثرت، سقطت أرضاً و راحت تصرخ، لكنها بعد ذلك كله، تعلمت كيف تسير بخطىً متزنة و إن كانت الطريق غير ممهدة، و قررت أن تنشئ صداقةً معي. 

أظن أن اللحظة التي تكتشف فيها أن نفسك قد شذبت و نمت و قوي عودها هي لحظة تستحق العيش لأجلها و انتظارها.

سلام عليكَ

سلامٌ عليك يا مَن ألقيت إليه بكل ما أحمل على أمل أننا نسير سوياً. لم أكن أرَ أنك تنوء من الحمل الذي أثقلتكَ به، لم أشعر بتذمرك. لم أنتبه إلا عندما ألقيت بكل شيء أرضاً و رحت تركض، تركض بعيداً عني حتى أنني لم أعُد أراك.

و كما أفعل دائماً، سأدعي أنني لم أرَ النهاية تقترب.. لكنني رأيتها، تتشكل و تكبر أمامي.. سمعت كلماتك الساخطة الملولة، لكنني دائماً ما أقف متحيرة أمام كل شيء؛ فيا عزيزي، ماذا بوسعك أن تفعل عندما ترى نهايةً واقعة و تقترب؟ لا شيء سوى انتظارها.

و الآن انتهت مسيرتنا و هأنذا أقف كمؤذن في عيد الميلاد.. يعلو صوتَه صوت الأجراس، و الكل في احتفالٍ، إلا مأذنته. ليس بوسعه سوى مراقبة سعادة الجميع و تذكر كم كان عيده سعيداً.

كانت تبحث عن شيء ما حولها، منهمكة في البحث لحد نسيان محيطها.. تبحث و تبحث، ثم تعود إلى حيث بدأت وتعيد البحث.. الغريب أنها لا تجد شيئاً في بحثها المتواصل ذلك ، و تخاف أنت أن تسألها عمّ تبحث لأنها غارقة في بحثها .. مرّت أعوام ثلاثة و لازالت تبحث دون راحة، أما أنتَ فسئمت مراقبتها و حوّلت نظرك عنها.

جَلَسَتْ جانباً تبكي بحرقة -على الشيء الذي لم تجده على ما يبدو- فيتشكل وجهك بالأسى عليها، تريد أن تربت على كتفها، أن تقول لها: “لا بأس”، لكن صوت نحيبها يخيفك و يجعلك تشعر أن لا عزاء لها سوى مشاركتها البكاء، فتفعل، بل و يعلو نحيبك نحيبها في بعض الأحيان. تقترب منك ثم تضحك، تسألك: “لماذا تبكي أيها الأبله؟ لا شيء يدعو للبكاء هنا.” و عندما تهمُّ لإخبارها أنك تبكي لأجلها تجدها قد رحلت مخلفة وراءها صدى ضحكتها العالي.

لا تزال تسمع الصدى الذي يجبرك على الابتسام، ضحكتها التي تبث الحياة في كل ما لا روح له. “كم هي جميلة ضحكتها” تقول في نفسك. تتبع الصدى كالمجذوب لتجدها كما كانت، في مكان جديد، منهمكة بالبحث عن شيء ما. يمر عام آخر و لا شيء جديد، فتعود هي للبكاء و الصراخ أن سئمت البحث. و أخيراً امتلكتَ الجرأة الكافية للاقتراب منها و تأمل عينيها و سوادهما و سواد ما حولهما و الحزن المغلف لهما. أخيراً تلمس وجهها الناعم و شعرها المنسدل.. أخيراً تهدأ الثورة التي بداخلك بهدوء صوتها. تجلس بجانبها تراقب حركاتها الهادئة التي تشي برزانة متأصلة فيها، فتتساءل “هل هذه هي الفتاة التي كنت أراقبها لأعوام مضت؟!”

و بعد طول انتظار امتلكت الشجاعة الكافية لتسألها عمّ كانت تبحث. سافرَتْ بعينيها ثم تراءى لك شبح ابتسامة على شفتيها  و لم تجب.

فهمت حينها أن لا إجابة لأسئلتك عندها. لا شيء سوى الهدوء.

في ظل عشوائية أفكاري 2

ماذا يحدث عقب انتهاء كل شيء؟ بماذا تشعر؟ تشعر بخواء موحش في داخلك و صمت مريب حولك.. تبحث عن الخطوة التالية لكنك عالق بما انتهى.. توحدت معه أصبح جزءاً لا يتجزأ منك.. لكنه انتهى!

ماذا بعد؟ تنظر حولك لعلك تجد الإجابة، لازالت الإجابة مجهولة بعد.

لازلت لا تدري ماذا بعد..

في ظل عشوائية أفكاري 1

أكتب لكل هدف أردته و مازلت أريده بشدة و لم أحققه.. 

شيء ما يدفعني من داخلي لأن أتوقف عن كل شيء و أدير ظهري لكل ما أريد، وشيء آخر معاكس له تماماً، يقوم بدفعي للاستمرار في تسلق الجبل و الوصول إلى القمة.. هذان الشيئان يعملان معاً بلا توقف، فأصبحت كمن يتسلق جبل شاهق الارتفاع ولا يبقى له للقمة سوى بضعة أمتار ثم يقوم باختيار القفز من ذلك الارتفاع ليعود و يبدأ التسلق من جديد..

مع كل بداية جديدة لليوم أجدد العهد مع نفسي لأن أتسلق بضعة أمتار من الجبل و ألا أنظر إلى الأسفل.. لكنه شيء قابع في داخلي يريد أن يبدأ كل شيء من جديد.

إنني على دراية كاملة بأن القرار النابع مني لن يضاهي قوته شيء..  لكنك لا تعلم أنني لن أستطيع مضاهاة سلطة نفسي عليّ التي تخبرني بطرقٍ شتى أنني لا أستحق و لا أستطيع.

هل هو المجتمع بالفعل؟ أم نحن مصابون بمتلازمة ستوكهولم؟

عام 1973 في السويد تحديداً ستوكهولم، حدثت عملية سطو مسلح على بنك كريديتبانكين و تم احتجاز أربعة رهائن لمدة 131 ساعة أي ما يعادل خمسة أيام و نصف تقريباً.. و بعد عملية تحرير الرهائن فوجئت السلطات بدفاع الرهائن المحررين عن المختطفين بل و تعلقهم العاطفي الشديد بهم. سميت هذه الظاهرة من قبل المختص في الأمراض النفسية (نيلز بيجيرو) باسم “متلازمة ستوكهولم“.

باختصار، “متلازمة ستوكهولم” تعني أن تكوّن رابطة عاطفية مع شخص يسيء لك و تكن له الولاء و التعاطف.

لهذه الظاهرة سمات كثيرة، لكن أكثرها وضوحاً هي:

  • تكوين مشاعر إيجابية تجاه شخص مسيء.
  • تكوين مشاعر سلبية تجاه كل من يمد يد العون

شيء غريب أليس كذلك؟  كيف لإنسان أن يحب من يسيء إليه؟ و لكن كيف لا؟ و نحن أصحاب مثل “ضرب الحبيب زي أكل الزبيب”

يمكننا القول أن “متلازمة ستوكهولم” هي نوع من أنواع وسائل الدفاع التي يقوم بها دماغنا للقضاء على أي شعور غير مريح نشعر به. أي اننا نعلم أنه هناك خطرٌ يحدق بنا و نتعرض للإساءة بشكل كبير، لكننا نستمر في الخضوع لسبب ما..

ما العوامل التي تجعل الضحية تخضع لشخص مسيء لها؟

من أسباب الخضوع هي “اللطف الصغير”، نجد فيه أن المسيء عندما يعامل الضحية بلطف في مرة عقب الإساءة لها، فبعد أن يضرب الزوج زوجته على سبيل المثال ثم يقوم بعد ذلك بتقبيل رأسها أو ما شابه تجعل الضحية تستشعر الجانب اللطيف منه، أي أن الشخص المسيء الذي يظهر بعض اللطف للضحية أو على الأقل يمتنع عن إصابتها بأذىً لفترة ما يجعل الضحية تظن أنه ليس بذلك السوء.

من العوامل الأخرى التي تسبب خضوع الضحية هي “الجانب الناعم” يقوم فيها المسيء بابتزاز الضحية عاطفياً، عن طريق إخبارها عن الصعوبات التي واجهها في طفولته، أو اكتئابه الشديد بسبب لا يعلمه، أو الضغوطات الشديدة التي يواجهها في عمله..

كل ذلك يدفع الضحية لالتماس الأعذار له.. لازلنا مع الزوجة التي ضربها زوجها، سنجدها تلوم نفسها بأنها كانت هي من استفزته لضربها و أنه “فيه اللي مكفيه”..

و أيضاً من تلك العوامل هو الخوف من المسيء، حيث يتبع المسيء أسلوب التخويف و التهديد المباشر و غير المباشر… فعلى سبيل المثال، يقوم المسيء بتكسير التلفاز، أو الحديث عن أشخاص هجروه و قام هو بالانتقام لنفسه، كل ذلك يندرج تحت بند التهديد غير المباشر الذي يجعل الضحية تتساءل إما كانت هي التي ستلي جهاز التلفاز الذي تحطم أم ستدخل من ضمن الأشخاص الذين قام المسيء بإيذائهم لهجره.. و يستمر الدماغ في الدفاع عن نفسه و تخليص نفسه من عدم الارتياح الذي يشعر به بسبب ما يلمّح له المسيء، فيخضع له.

من الأشياء الغريبة في ظاهرة ستوكهولم أننا سنجد أن المصابين بها يكرهون كل من يحاول مد يد العون لهم و تخليصهم من الشخصيات المسيئة لهم، فتظن الضحية  أن الصديقة التي تحاول مساعدتها على سبيل المثال، تحاول أن تسرق زوجها منها. و ترفض كل مساعدة مقدمة منها أو من أي شخص آخر.

و من جانب آخر يقوم المسيء بإقناع الضحية بأن الأشخاص الذين يحاولون إبعادها عنه هم فقط يكرهونها ولا يتمنون لها الخير.. و بالتالي يضمن المسيء استمرار الضحية في الخضوع له.

بعد ربط ما قرأته عن هذه المتلازمة بمجتمعنا، وجدت أن لهذه الظاهرة تأثير علينا في كل جوانب حياتنا تقريباً.. فإن أخذنا الزواج على سبيل المثال لا الحصر، سنجد أنه عند البعض في مجتمعنا يكون من المفضل أن تكون الزوجة خاضعة لزوجها في كل شيء، بل إنه من المفضل أيضاً  الزواج بفتاة كالعجين الطري الذي ستشكله أنت كزوج كما تريد فيما بعد..

و مع ظهور المشاكل و التعديات في الزواج تبدأ الزوجة في الخضوع بشكل لا إرادي لأسباب كثيرة، منها: “المشكلة ماتستاهلش” – “عشان المركب تمشي” –”يعني أعمل إيه” .. ترفض الزوجة حتى مساعدة نفسها.

 أظن أنه من الصعوبات الأخرى التي تمنع الضحية في مجتمعنا من التخلي عن المسيء هي:

  • الأطفال

من أكثر الأسباب شيوعاً لتحمل الزوج المسيء في مجتمعنا. فنجد أن الزوجة و عائلتها ترفضان الطلاق رفضاً قاطعاً بسبب وجود الأطفال.. حتى لا تنشاً الأطفال بعيداً عن أبويها ظناً منهم أن ذلك أفضل لحالتهم النفسية فيما بعد.. لكنهم غفلوا عن فكرة أن مشاهدة الإساءة كل يوم تقريباً قد ينشئهم تنشئة خاطئة تماماً، فعلى المدى البعيد يصاب هؤلاء الأطفال باضطرابات نفسية و سلوكية عديدة تمنعهم من أداء دورهم الطبيعي في المجتمع.

  • الخوف من الضغط النفسي الذي يتبع الطلاق

لا يخفى علينا أن أحياناً يكون الزواج هو الطريقة شبه الوحيدة في بعض عائلات الطبقة المتوسطة في مجتمعنا لحصول الفتاة على حريتها المطلقة؛ حيث أنها بهذه الطريقة تكون قد خرجت من وصاية والدها إلى وصاية زوجها (وجه آخر لنفس العملة). فإن حدث الطلاق تعود الزوجة إلى وصاية الوالد مرة أخرى، لكن مع مزيد من التحكمات بحكم أنها الآن “مطلقة” فغدت كلمة مطلقة وصمة عار و فزاعة لكل سيدة في مجتمعنا.. فتتحمل الزوجة الإساءة بسبب أنها ترفض لقب “مطلقة” و ما يصحبه من ضغوطات عليها.

  • المخزون العاطفي الكبير

المرأة عاطفية بطبعها، لا أحد يستطيع إنكار ذلك.. فمع كل موقف تتعرض فيه للإساءة تتذكر بشكل لا إرادي كل موقف لطيف و كل ذكرى جميلة كانت مع المسيء، و بالتالي تروح مشاعرها تقفز أمام عينيها.. تقول إحدى السيدات: “أعلم أنه يسيء إليّ، لكنني لازلت أحبه.”

أعتقد أن متلازمة ستوكهولم تظهر جلية جداً في هذه الحالة.

هذه الأسباب الثلاثة هي الأسباب الأكثر شيوعاً في الحالات التي مرت عليّ و التي تتركني أمام تساؤل:

هل هي عادات المجتمع بالفعل هي التي تجبرنا على تقبل الإساءة؟ أم هي متلازمة ستوكهولم؟ أم أن المجتمع كله مصاب بتلك المتلازمة؟

هذا هو التساؤل الذي لم أجد له إجابة.