أمي حصة..

أول تجربة مع سعود السنعوسي الذي كان بمثابة صدمة لي كقارئة تمقت معظم ما قرأته للكتاب الخليجيين. لا أدري ما كان الدافع للإمساك بالرواية وبدء القراءة فيها، لكنني أشكر الملل الذي دفعني لكسر الحاجز الذي بنيته بيني وبين الكتّاب الخليجيين ماعدا قلة منهم لم أظن أن السنعوسي سيكون منها ربما لقلة اهتمامي بأدب عدا الأدب المصري.

تبدأ الرواية بكلمة لشخصية فؤادة من مسلسل “على الدنيا السلام” تقول فيها:

“أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن؛ الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!”

الحكاية التي بين أيدينا لم تأتِ على لسان أمي حصة، سردناها جميعاً وحكنا بداياتها وحصدنا نهاياتها التي لم تأت بعد، لكنها قادمة لا محالة.

إذن.. زور ابن الزرزور اللي عمره ما كذب ولا حلف زور.

هكذا كانت تبدأ أمي حصة حكاياتها لأطفال لم تتجاوز أعمارهم العشر سنوات، وهكذا بدأ السنعوسي روايته.

يمكننا تقسيم الرواية إلى جزئين، أو إلى روايتين تقود إحداهما إلى الأخرى بعلاقة السبب والنتيجة.

  • الرواية الأولى

هي حكاية أمي حصة أو حكاية الكويت من عينيّ طفل كبرنا معه إلى أن جاوز الأربعين في الرواية الثانية.. نبدأ معه طالباً في المدرسة الابتدائية في منطقة السرة مع صديقيه، فهد بن صالح (السنّي) وصادق بن عباس (الشيعيّ) وكيف ارتبط بهما كصديقَيه الوحيدَين دائما الاختلاف لاختلاف لم ينته بين أبويهم.

الرواية الأولى هي حكاية جيلين. الجيل الأول: جيل الآباء. صالح، والد فهد السنيّ المتعصب، الذي يخاف كل شيء ويتبع الكلام الذي يُنقل إليه. يتعصب لصدام حسين لمناهضته للمذهب الآخر ويخشى على نساء بيته من الأذى إلى حد يدفعه إلى أن يؤذيهم هو الآخر. عباس، والد صادق الشيعيّ المتعصب لمذهبه كذلك، يوالي الثورة الإسلامية في إيران، يعلق صوراً للخميني في منزله. يكره الأبوين بعضهما بل  ينتهزان أقل فرصة لإخراج الكراهية التي بداخلهما تجاه الآخر تحت راية “نحن وهم” وبالطبع تتفوق ال”نحن” على ال”هم” من وجهة نظر كل منهما.

والجيل الثاني: جيل الأبناء، الجيل الذي كبتت أسئلته وحرمت، يذكر السنعوسي ما رآه الراوي من اختلافات لم يقدر عقله على ترجمتها، لماذا لا يأكل عمي عباس ال”قبقب”؟ لماذا لا يأكل عمي صالح من الأكل الذي ترسله “بيبي زينب”؟ السؤال الأهم، هل حديقة الحيوان في العمرية أم العميرية؟

ينتقل بنا السنعوسي خلال الرواية إلى أحداث حدثت في الكويت ساهمت بشكل كبير في تشكيل الحاضر، الثورة في إيران، حرب العراق وإيران، الغزو العراقي للكويت الذي أدى إلى ظهور ثقافة محو الآخر بشكل فج بعد أن كانت كامنة في بيت الأسرتين.. من طرد الفلسطينيين عقب الغزو إلى كراهية كل ما هو عراقي أو يمت لبلاد لرافدين بصلة.

في الجزء الأخير من الرواية، عندما كبر “كتكوت” وصديقاه، كبرت معه أسئلته وغدت أفعالاً وغضباً ورغبةً في نشر الوعي في مجتمع ينساق خلف رسائل ال”البلوتوث” ويخيل له رغم ذلك أن مجتمعه مجتمع مثالي يجمع الطوائف دون أية ضغائن. لم يتحمل ذلك النفاق وهو الذي نشأ وسط بذور الفتنة.

انتهى به الأمر إلى تأسيس جماعة “أولاد فؤادة” لتحذر الناس من خطر الطاعون القادم ومع مرور الوقت كبرت الجماعة من سبعة أفراد إلى سبعين إلى الكثير.

  • الرواية الثانية

هي الواقع الافتراضي الذي يحدث الآن في عام ٢٠٢٠، حيث ضربت الحرب الأهلية الكويت نتيجة تفشي ثقافة تفوق ال”نحن” على ال”هم”، لا أدري إن كان ذلك الواقع هو الرماد الذي خلفته نار السنين السابقة، أم هو النار التي ستترك رماداً. “كفانا الله شر النار” هكذا ما كانت ستقوله أمي حصة إن سمعت هذا الكلام.

 يبدأ الواقع الدستوبي بكويت خربتها الحرب الأهلية بين سنة وشيعة أدت إلى مزيد من الانقسامات، نرى الخوف شائع في أنحاء بلاد تكتسب سمعة أنها الجنة التي تحتوي جميع الطوائف دون تفرقة.

يبدأ الواقع الدستوبي في الرواية تحديداً في الساعة الثانية عشر ظهراً ويستمر لإثنتي عشرة ساعة تبين للقارئ أن حصاد 23 سنة من  الكراهية الكامنة يمكن أن تراه في ساعات من يوم ما.


امتلك سعود السنعوسي اللغة ومدّه الواقع بمحتوى شائك ليغير صورة يوتوبيا التي بأذهاننا وينبهنا على طريقة فؤادة بأن الفئران قادمة، لدرجة أدت إلى منع الكتاب في بلده خوفاً من أن يكدر الصفو العام على ما أظن.

ثقافة محو الغير ترمز إليها أمي حصة في قصة شهاب و سهيل، الصديقان الذي دخلت بينهما الفئران وفرقتهما ليعيثوا في أرضهما فساداً.

ودخلت الفئران بين شهاب وسهيل الرواية.

مات من مات وعاش من عاش لكن الفئران بقيت وأنهى السنعوسي روايته بجيل ثالث سيطرد تلك الفئران وتباعات الجيف إن لم تُكبت أسئلته.

نهايةً..

أرى أن سعود السنعوسي من الكتّاب الذين لا تقفز صفحات عدة من كتبهم لاستعجال النهاية.. يملك ما يكفيه ليجعلك تقرأ صفحة صفحة من كتبه. أرى أنه من الكتّاب الذي قد تحمل همهم الرقابة خوفاً على الصفو العام من التكدير.

إنها ليست رواية للكويت ومن فيها فقط. ليست قصة سنة وشيعة فقط. ليست قصة صالح وعباس فقط.

 

 

في مرحلتي العمرية هذه و في هذه الفترة تحديداً و في أثناء انشغالي باختبارات الثانوية العامة و الضغط الشديد من كل جانب، في وقت الفراغ القليل الذي أحظى به يشغلني التفكير في شيء واحد فقط.. 

أتأمل كيف كنت منذ عامين من الآن، عامان فقط، كنت أظن فيهم أنني قد وصلت من الخبرة و الدراية بالنفس البشرية عموماً و نفسي خاصة ما يكفيني لمواجهة كل شيء بمفردي. لأتفاجأ بجديد لم أكن على علم بوجوده، و أتفاجأ بأن معرفتي بما هو حولي على الرغم من ظني أنها واسعة إلا أنها دائماً ليست بكافية. لأجد نفسي في حاجة ماسة بل و ملحّة ليد تربت على كتفي، حتى و إن كانت ستساعد في دفعي نحو هاوية الليالي الباردة يوماً. أخاف جداً و أبكي ليلاً لكن بداخلي تلك الجذوة التي تدفعني للاستيقاظ كل يوم و استئناف المواجهة. 

معرفة النفس البشرية قد تكون صادمة و محزنة في كثير من الأحيان، لكن من جانب آخر و بعملية حسابية بسيطة، أجد أن حجم الربح يساوي أضعاف أضعاف الخسارة، و أن الخسارة التي ظننت يوماً أنها قاسمة لظهري، ما هي إلا خطأ إملائي بسيط يمكن التغاضي عنه. 

ما يستوقفني حقاً هو كيفية تعاملي مع ما أواجه من أزمات -على تفاهتها في نظر البعض- و كيف تتشكل ملامح نفسي مع كل عقبة أتخطاها و كل هدف أحققه. أجد أنني مع كل مرة ظننت فيها أن لياليّ الباردة، البائسة، الوحيدة سوف تدوم، أحيا مقابلها أياماً من السلام مع كل ما هو حولي و أولهم نفسي. 

تغيرت نفسي كثيراً، بكَت، انتحبت، استنجدَت، هرولت، ركضت، تعثرت، سقطت أرضاً و راحت تصرخ، لكنها بعد ذلك كله، تعلمت كيف تسير بخطىً متزنة و إن كانت الطريق غير ممهدة، و قررت أن تنشئ صداقةً معي. 

أظن أن اللحظة التي تكتشف فيها أن نفسك قد شذبت و نمت و قوي عودها هي لحظة تستحق العيش لأجلها و انتظارها.

سلام عليكَ

سلامٌ عليك يا مَن ألقيت إليه بكل ما أحمل على أمل أننا نسير سوياً. لم أكن أرَ أنك تنوء من الحمل الذي أثقلتكَ به، لم أشعر بتذمرك. لم أنتبه إلا عندما ألقيت بكل شيء أرضاً و رحت تركض، تركض بعيداً عني حتى أنني لم أعُد أراك.

و كما أفعل دائماً، سأدعي أنني لم أرَ النهاية تقترب.. لكنني رأيتها، تتشكل و تكبر أمامي.. سمعت كلماتك الساخطة الملولة، لكنني دائماً ما أقف متحيرة أمام كل شيء؛ فيا عزيزي، ماذا بوسعك أن تفعل عندما ترى نهايةً واقعة و تقترب؟ لا شيء سوى انتظارها.

و الآن انتهت مسيرتنا و هأنذا أقف كمؤذن في عيد الميلاد.. يعلو صوتَه صوت الأجراس، و الكل في احتفالٍ، إلا مأذنته. ليس بوسعه سوى مراقبة سعادة الجميع و تذكر كم كان عيده سعيداً.

كانت تبحث عن شيء ما حولها، منهمكة في البحث لحد نسيان محيطها.. تبحث و تبحث، ثم تعود إلى حيث بدأت وتعيد البحث.. الغريب أنها لا تجد شيئاً في بحثها المتواصل ذلك ، و تخاف أنت أن تسألها عمّ تبحث لأنها غارقة في بحثها .. مرّت أعوام ثلاثة و لازالت تبحث دون راحة، أما أنتَ فسئمت مراقبتها و حوّلت نظرك عنها.

جَلَسَتْ جانباً تبكي بحرقة -على الشيء الذي لم تجده على ما يبدو- فيتشكل وجهك بالأسى عليها، تريد أن تربت على كتفها، أن تقول لها: “لا بأس”، لكن صوت نحيبها يخيفك و يجعلك تشعر أن لا عزاء لها سوى مشاركتها البكاء، فتفعل، بل و يعلو نحيبك نحيبها في بعض الأحيان. تقترب منك ثم تضحك، تسألك: “لماذا تبكي أيها الأبله؟ لا شيء يدعو للبكاء هنا.” و عندما تهمُّ لإخبارها أنك تبكي لأجلها تجدها قد رحلت مخلفة وراءها صدى ضحكتها العالي.

لا تزال تسمع الصدى الذي يجبرك على الابتسام، ضحكتها التي تبث الحياة في كل ما لا روح له. “كم هي جميلة ضحكتها” تقول في نفسك. تتبع الصدى كالمجذوب لتجدها كما كانت، في مكان جديد، منهمكة بالبحث عن شيء ما. يمر عام آخر و لا شيء جديد، فتعود هي للبكاء و الصراخ أن سئمت البحث. و أخيراً امتلكتَ الجرأة الكافية للاقتراب منها و تأمل عينيها و سوادهما و سواد ما حولهما و الحزن المغلف لهما. أخيراً تلمس وجهها الناعم و شعرها المنسدل.. أخيراً تهدأ الثورة التي بداخلك بهدوء صوتها. تجلس بجانبها تراقب حركاتها الهادئة التي تشي برزانة متأصلة فيها، فتتساءل “هل هذه هي الفتاة التي كنت أراقبها لأعوام مضت؟!”

و بعد طول انتظار امتلكت الشجاعة الكافية لتسألها عمّ كانت تبحث. سافرَتْ بعينيها ثم تراءى لك شبح ابتسامة على شفتيها  و لم تجب.

فهمت حينها أن لا إجابة لأسئلتك عندها. لا شيء سوى الهدوء.

في ظل عشوائية أفكاري 2

ماذا يحدث عقب انتهاء كل شيء؟ بماذا تشعر؟ تشعر بخواء موحش في داخلك و صمت مريب حولك.. تبحث عن الخطوة التالية لكنك عالق بما انتهى.. توحدت معه أصبح جزءاً لا يتجزأ منك.. لكنه انتهى!

ماذا بعد؟ تنظر حولك لعلك تجد الإجابة، لازالت الإجابة مجهولة بعد.

لازلت لا تدري ماذا بعد..

في ظل عشوائية أفكاري 1

أكتب لكل هدف أردته و مازلت أريده بشدة و لم أحققه.. 

شيء ما يدفعني من داخلي لأن أتوقف عن كل شيء و أدير ظهري لكل ما أريد، وشيء آخر معاكس له تماماً، يقوم بدفعي للاستمرار في تسلق الجبل و الوصول إلى القمة.. هذان الشيئان يعملان معاً بلا توقف، فأصبحت كمن يتسلق جبل شاهق الارتفاع ولا يبقى له للقمة سوى بضعة أمتار ثم يقوم باختيار القفز من ذلك الارتفاع ليعود و يبدأ التسلق من جديد..

مع كل بداية جديدة لليوم أجدد العهد مع نفسي لأن أتسلق بضعة أمتار من الجبل و ألا أنظر إلى الأسفل.. لكنه شيء قابع في داخلي يريد أن يبدأ كل شيء من جديد.

إنني على دراية كاملة بأن القرار النابع مني لن يضاهي قوته شيء..  لكنك لا تعلم أنني لن أستطيع مضاهاة سلطة نفسي عليّ التي تخبرني بطرقٍ شتى أنني لا أستحق و لا أستطيع.

هل هو المجتمع بالفعل؟ أم نحن مصابون بمتلازمة ستوكهولم؟

عام 1973 في السويد تحديداً ستوكهولم، حدثت عملية سطو مسلح على بنك كريديتبانكين و تم احتجاز أربعة رهائن لمدة 131 ساعة أي ما يعادل خمسة أيام و نصف تقريباً.. و بعد عملية تحرير الرهائن فوجئت السلطات بدفاع الرهائن المحررين عن المختطفين بل و تعلقهم العاطفي الشديد بهم. سميت هذه الظاهرة من قبل المختص في الأمراض النفسية (نيلز بيجيرو) باسم “متلازمة ستوكهولم“.

باختصار، “متلازمة ستوكهولم” تعني أن تكوّن رابطة عاطفية مع شخص يسيء لك و تكن له الولاء و التعاطف.

لهذه الظاهرة سمات كثيرة، لكن أكثرها وضوحاً هي:

  • تكوين مشاعر إيجابية تجاه شخص مسيء.
  • تكوين مشاعر سلبية تجاه كل من يمد يد العون

شيء غريب أليس كذلك؟  كيف لإنسان أن يحب من يسيء إليه؟ و لكن كيف لا؟ و نحن أصحاب مثل “ضرب الحبيب زي أكل الزبيب”

يمكننا القول أن “متلازمة ستوكهولم” هي نوع من أنواع وسائل الدفاع التي يقوم بها دماغنا للقضاء على أي شعور غير مريح نشعر به. أي اننا نعلم أنه هناك خطرٌ يحدق بنا و نتعرض للإساءة بشكل كبير، لكننا نستمر في الخضوع لسبب ما..

ما العوامل التي تجعل الضحية تخضع لشخص مسيء لها؟

من أسباب الخضوع هي “اللطف الصغير”، نجد فيه أن المسيء عندما يعامل الضحية بلطف في مرة عقب الإساءة لها، فبعد أن يضرب الزوج زوجته على سبيل المثال ثم يقوم بعد ذلك بتقبيل رأسها أو ما شابه تجعل الضحية تستشعر الجانب اللطيف منه، أي أن الشخص المسيء الذي يظهر بعض اللطف للضحية أو على الأقل يمتنع عن إصابتها بأذىً لفترة ما يجعل الضحية تظن أنه ليس بذلك السوء.

من العوامل الأخرى التي تسبب خضوع الضحية هي “الجانب الناعم” يقوم فيها المسيء بابتزاز الضحية عاطفياً، عن طريق إخبارها عن الصعوبات التي واجهها في طفولته، أو اكتئابه الشديد بسبب لا يعلمه، أو الضغوطات الشديدة التي يواجهها في عمله..

كل ذلك يدفع الضحية لالتماس الأعذار له.. لازلنا مع الزوجة التي ضربها زوجها، سنجدها تلوم نفسها بأنها كانت هي من استفزته لضربها و أنه “فيه اللي مكفيه”..

و أيضاً من تلك العوامل هو الخوف من المسيء، حيث يتبع المسيء أسلوب التخويف و التهديد المباشر و غير المباشر… فعلى سبيل المثال، يقوم المسيء بتكسير التلفاز، أو الحديث عن أشخاص هجروه و قام هو بالانتقام لنفسه، كل ذلك يندرج تحت بند التهديد غير المباشر الذي يجعل الضحية تتساءل إما كانت هي التي ستلي جهاز التلفاز الذي تحطم أم ستدخل من ضمن الأشخاص الذين قام المسيء بإيذائهم لهجره.. و يستمر الدماغ في الدفاع عن نفسه و تخليص نفسه من عدم الارتياح الذي يشعر به بسبب ما يلمّح له المسيء، فيخضع له.

من الأشياء الغريبة في ظاهرة ستوكهولم أننا سنجد أن المصابين بها يكرهون كل من يحاول مد يد العون لهم و تخليصهم من الشخصيات المسيئة لهم، فتظن الضحية  أن الصديقة التي تحاول مساعدتها على سبيل المثال، تحاول أن تسرق زوجها منها. و ترفض كل مساعدة مقدمة منها أو من أي شخص آخر.

و من جانب آخر يقوم المسيء بإقناع الضحية بأن الأشخاص الذين يحاولون إبعادها عنه هم فقط يكرهونها ولا يتمنون لها الخير.. و بالتالي يضمن المسيء استمرار الضحية في الخضوع له.

بعد ربط ما قرأته عن هذه المتلازمة بمجتمعنا، وجدت أن لهذه الظاهرة تأثير علينا في كل جوانب حياتنا تقريباً.. فإن أخذنا الزواج على سبيل المثال لا الحصر، سنجد أنه عند البعض في مجتمعنا يكون من المفضل أن تكون الزوجة خاضعة لزوجها في كل شيء، بل إنه من المفضل أيضاً  الزواج بفتاة كالعجين الطري الذي ستشكله أنت كزوج كما تريد فيما بعد..

و مع ظهور المشاكل و التعديات في الزواج تبدأ الزوجة في الخضوع بشكل لا إرادي لأسباب كثيرة، منها: “المشكلة ماتستاهلش” – “عشان المركب تمشي” –”يعني أعمل إيه” .. ترفض الزوجة حتى مساعدة نفسها.

 أظن أنه من الصعوبات الأخرى التي تمنع الضحية في مجتمعنا من التخلي عن المسيء هي:

  • الأطفال

من أكثر الأسباب شيوعاً لتحمل الزوج المسيء في مجتمعنا. فنجد أن الزوجة و عائلتها ترفضان الطلاق رفضاً قاطعاً بسبب وجود الأطفال.. حتى لا تنشاً الأطفال بعيداً عن أبويها ظناً منهم أن ذلك أفضل لحالتهم النفسية فيما بعد.. لكنهم غفلوا عن فكرة أن مشاهدة الإساءة كل يوم تقريباً قد ينشئهم تنشئة خاطئة تماماً، فعلى المدى البعيد يصاب هؤلاء الأطفال باضطرابات نفسية و سلوكية عديدة تمنعهم من أداء دورهم الطبيعي في المجتمع.

  • الخوف من الضغط النفسي الذي يتبع الطلاق

لا يخفى علينا أن أحياناً يكون الزواج هو الطريقة شبه الوحيدة في بعض عائلات الطبقة المتوسطة في مجتمعنا لحصول الفتاة على حريتها المطلقة؛ حيث أنها بهذه الطريقة تكون قد خرجت من وصاية والدها إلى وصاية زوجها (وجه آخر لنفس العملة). فإن حدث الطلاق تعود الزوجة إلى وصاية الوالد مرة أخرى، لكن مع مزيد من التحكمات بحكم أنها الآن “مطلقة” فغدت كلمة مطلقة وصمة عار و فزاعة لكل سيدة في مجتمعنا.. فتتحمل الزوجة الإساءة بسبب أنها ترفض لقب “مطلقة” و ما يصحبه من ضغوطات عليها.

  • المخزون العاطفي الكبير

المرأة عاطفية بطبعها، لا أحد يستطيع إنكار ذلك.. فمع كل موقف تتعرض فيه للإساءة تتذكر بشكل لا إرادي كل موقف لطيف و كل ذكرى جميلة كانت مع المسيء، و بالتالي تروح مشاعرها تقفز أمام عينيها.. تقول إحدى السيدات: “أعلم أنه يسيء إليّ، لكنني لازلت أحبه.”

أعتقد أن متلازمة ستوكهولم تظهر جلية جداً في هذه الحالة.

هذه الأسباب الثلاثة هي الأسباب الأكثر شيوعاً في الحالات التي مرت عليّ و التي تتركني أمام تساؤل:

هل هي عادات المجتمع بالفعل هي التي تجبرنا على تقبل الإساءة؟ أم هي متلازمة ستوكهولم؟ أم أن المجتمع كله مصاب بتلك المتلازمة؟

هذا هو التساؤل الذي لم أجد له إجابة.

إنه الوداع الذي طالما تحدثت عنه

img_4996“أنا بخير، دائماً ما أجد طريقة ما لأكون بخير.” هكذا أنهت حديثها مع صديقتها قبل أن تغلق الهاتف و تنهض إلى المرحاض لتفعل مثلما يفعل جميع الناس فيه، لتبكي. في أثناء بكائها، تنبهت إلى شعرها الذي طال.. “يجب أن أقصه قليلاً” قالت و هي تمسح دموعها.

خرجت من المرحاض و لملمت الأواني ثم قرأت رسالة زوجها، “لن أكون متواجداً هذه الأيام، لدي بعض الأعمال المهمة.” لم تتفاجأ. في الواقع لم تشعر بشيء على الإطلاق؛ فهي لا تتذكر عدد المرات التي جمعتهم فيها طاولة عشاء واحدة أو سقف واحد، كان دائماً لا يستطيع التواجد.

هاتفتها والدتها و راحت تسألها بحدة عن سبب حزنها و بؤسها الدائمين، لكنها ضحكت ضحكة مدوية ثم قالت:”لا بؤس هنا، أنا بخير. لدي أعمال مهمة في العيادة، سأتصل بك لاحقاً. وداعاً.” هي حقاً ليست بخير، لسبب لا تعرفه هي ليست على ما يرام و هذا يزعج كل من هم بجوارها لأنها لا تراهم. كانت تعمي نفسها عن الناس و تُؤْثِر الوحدة دائماً، ثم تبكي وحدتها تلك. “لا أحد يهتم، لا أحد بجواري.” “لن آكل اليوم و سأفقد الكثير من الوزن فيما بعد.” “إلهي! كم أحب مظهري اليوم.”

كانت عالقة في مرحلةٍ ما من مراهقتها و تأبى الخروج منها. عرفها الجميع على هذه الحال حتى ألفوها و عزوا ذلك لغياب زوجها المستمر عنها. ظنوا أن غيابه قد ترك فيها فراغاً لا يملأه أحد.. لكن ليس تحديداً غيابه هو من أدخلها في هذه الحال.

إنها تمارس عملها بجدية كبيرة. لم تكن تشعر بآدميتها إلا عندما تبحث في أفواه مرضاها عن ضرس متسوس أو عن التهابٍ في اللثة. كانت أجمل لحظات حياتها و أكثرها سيطرة عندما تحقن المريض بالمخدر لتبدأ عملها داخل فمه.. هي الربانة الآن. لا أحد يملك أن يقول لها ماذا عليها أن تفعل، حتى والدها الذي هددها بحرمانها من الدراسة ذات يوم لن يقدر على إصدار الأوامر في تلك اللحظة.

تعشق عملها هذا لأن أسنان البشر تكون أكثر مأساوية من أفكارها في أحيان كثيرة.

مريض تلو الآخر، خلت العيادة من المرضى شيئاً فشيئاً. نزعت معطفها الأبيض و ارتدت الأخر الأسود. “ماذا الآن؟” تساءلت.. أتعود للمنزل مرةً أخرى أم تقوم بمغامرة جديدة؟ ما حدود مغامرتها تلك؟ إن سقفها كان تدخين النارجيلة، لكنها ليست على استعداد لأخذ علاج ضيق التنفس الآن. حملت حقيبتها ثم عادت للمنزل. لا شيء جديد ولا شيء يدعو للحماس. ألقت بجسدها على الفراش، لتحدق في السقف المظلم. رأت الكاميرة و حبها للتصوير الذي تلاشى مع تخرجها من الجامعة. رأت أشخاصاً مروا في حياتها، لكنها ابتسمت، مرت سنين عديدة و أشخاص كُثُر. رأته، لم يمر يوماً مرور الكرام كغيره. لازال يعيش في مكان ما داخلها و تحادثه من وقت لآخر. قال لها ذات مرة أن تفتح له الباب ليخرج منها و لا يعود، لكنها لم تُرِد. لم تُرِد غيره في حياتها حتى إن لم يكن له مكان بها إلا في داخل رأسها. فضلته على كل البشر. لأن لا أحد يملي عليها ما تتخيل.

-“ماذا شعرتَ حينما مت؟”

-“مثلما تشعرين الآن، لا اختلاف يذكر.”

-“لكنني لا أشعر بشيء.”

“إنك تخادعين نفسك. تدعين عدم الاكتراث و التبلد، لكنك هشة، ككرة الطين.”

-“الأمر ليس كذلك.”

-“ربما.”

-“إنك ميت الآن، أليس كذلك؟”

-“ربما.”

-“إذن يجب أن تخرج من رأسي.”

-“هذا ما تقولينه دائماً، كل ليلة تقريباً.”

نهضت من مكانها و راحت تتجول في أرجاء المنزل..

-“لقد كان من المفترض أن تكونَ هنا.”

-“و أنا قد رحلت. و هأنتِذا تفعلين تماماً مثلما فعلت، تنسحبين بهدوء شديد من حياة الجميع.”

-“إنني أرحل إليك.”

-“لا وجود لي إلا هنا.” أشار إلى رأسها.

-“أريد أن أبكي.”

-“ألم أقُل لكِ أنك تخادعين نفسك؟”

أمسكت بسكين الفاكهة و قربته من أوردتها، لكنها تراجعت..

-“ليس الآن.”

-“إذن متى؟ إن لم يكن الآن، فمتى؟! ماذا تنتظرين بعد؟ إنك وحيدة تماماً كزهرة في صحراء.. مسيرة كرمال الصحراء.. بل إنك الصحراء ذاتها.”

-“إنك تريد أن تخرسني إلى الأبد. تكرهني مثلهم.”

-“لماذا لا تقولين أنني أريدك إلى جواري؟”

أطرقت..

“هيا يا عزيزتي، قربي هذا السكين من أوردة يديكِ البارزة، و دعي برودة النصل تسير في جسدك، هيا.”

-“لكنني لا أريد الموت.”

-“ماذا اخترتي في حياتك لتختاري استمراريتها؟ اختاري انهائها. اختاري شيئاً ما.”

نظرت إلى معطفها الأبيض الملقى على الأريكة و على خاتم الزواج. عاد الألم في بنصرها الأيسر مرة أخرى.. ذلك الألم الذي تشعر به في ذكرى زواجها تحديداً. نزعت الخاتم ببطء و وضعته على منضدة الطعام. كتبت ورقة إلى جانبه.. “زوجي العزيز، لن أكون متواجدة هذه الأيام ولا في الأيام المقبلة.. إنه الوداع الذي طالما تحدثت عنه.”

عاد الصوت يهتف.. “السكين، هيا، إنه الحل الأمثل.”

توقفت قليلاً لتلقي نظرة شاملة على المنزل، المنضدة، السكين، المعطف الأبيض، غرفة المعيشة التي كانت من المفترض أن تكون غرفة الأطفال لولا رفض شيء ما في هذه الحياة. مسحت البيت بعينها لتدرك أنها لن تشتاق إلى شيء. صفقت الباب و رحلت.

عاد الصوت يصرخ “أهذا هو الصواب برأيك؟ أن تختاري حياة جديدة بجانب البحر؟”

-“كيف عرفت ذلك؟”

-“قلت لك أنني أعيش هنا..” مشيراً إلى رأسها مرة أخرى “فكيف لي أن لا أعرف. إنني أريدك بجانبي.”

-“ليس الآن.”

-“ألن تنضجين؟!”

-“سأحاول محاولتي الأخيرة، لأتركك تتلاشى من رأسي شيئاً فشيئاً مثلما تلاشوا جميعاً.”

لم تكن تعرف شيئاً سوى أن معها في حقيبتها من المال ما يكفي لتغطية نفقة تنقلاتها و في البنك ما يكفي لبدء حياة جديدة. جلست في المحطة في انتظار القطار إلى مدينة أحلامها.. حيث السكون و البحر.. حيث النيرفانا.. سمعت رنين القطار يقترب.. نهضت من كرسيها استعداداً للدخول، كانت تبتسم. استحال كل شيء حولها نوراً، تماماً كاسمها.

و في الختام

شارف العام على الانتهاء، و من المفترض أن توضع نقطة النهاية للقصة التي كان يسردها، لكن القصة لم تنتهِ بعد. 

لم تنتهِ قصصه المرعبة ولا تلك المضحكة المبكية. كان عاماً متفرداً بكل المقاييس. 

قُتل فيه الحلم أمام أعيننا آلاف و آلاف المرات، و مع كل بصيص أمل كنا نراه، فوجئنا بصفعة تأتينا من حيث لا ننظر. كان عاماً متفرداً بصفعاته المؤلمة أيضاً. 

على المستوى الشخصي، لم أفقد عزيزاً في اختفاء أو اعتقال أو.. أو.. لكن درجة قربهم مني كانت تجبرني على التساؤل، “من سيكون التالي؟”

تجد العائدين -إن عادوا- في نظرتهم حزن يتناقض مع السعادة البادية على وجوههم و وجوه من حولهم. في داخلهم انكسار لا يبدو للعامة لكنه بديهي. 

تخيل هول ما رأوه لتطفأ شعلتهم و حجم ما مات فيهم ليظهر شبح انحناءة على ظهورهم. 

صاحب السبعين عاماً قد عز عليه رؤية ظهر مستقيم و عنق مشرئب و هو يجاهد لمداراة شَيْبه، فأطلق العنان لخياله و سلطته. 

عامنا هذا أثبت لنا في قصته التي لم تنتهِ أن لوطنك كامل الحرية في لفظك بشتى الطرق، لكنك ستجد من يدعوك للتمسك به تحت مسمى (الانتماء)، فتتساءل:” هل سيعطيني انتمائي كفاف عيشي؟”

كان العالم يرينا أنه يسير بخطىً ثابتة نحو الخراب و أن لا جدوى من إيقافه. و هٰنحنذا، متفرجون. 

نشاهد العالم يخرب و لاتزال فئة منا تصفق و تهلل. 

أيام و سيفارقنا العام و يتركنا نتعثر في أسئلتنا “ماذا بعد؟!”

“ماذا بعد أن اختفى صديقي قسرياً؟”

“ماذا بعد أن زادت تكاليف مدرسة ابنتي؟”

“ماذا بعد أن أبيدت تلك المدينة؟”

“ماذا بعد أن فجرت تلك الكنيسة؟”

و الأهم من ذلك كله.. “ماذا بعد أن نفذ الخبز من منزلنا؟”

و في الختام، نحن المضعفون مهما حاولنا إثبات عكس ذلك. نحن جميعاً غرقى في بحر لا تبحر فيه إلا سفن القراصنة، فماذا نحن فاعلون؟ أنقبل الإنقاذ على يد قرصان من القراصنة الكثر، أم نسبح عكس التيار تجاه الشاطئ؟ 

ليس بوسعنا أن نلوم من لم يفضل السباحة. كثير منا أنهكته المقاومة و المبادئ فاتخذ الهروب ملجأ. 

لكننا على الرغم من كل ذلك، نجدد العهد مع كل عام جديد أننا على استعداد أن نفقد كل ما فينا في سبيل أن نحيا على الرغم من أن كل ماهو حولنا يدفعنا دفعاً نحو القاع. 

قصة سيدة

سأسرد قصة سيدة وطأت قدماها أرض هذه البلاد شابة حديثة التخرج مليئة بالآمال و التطلعات و بعض الحزن على فراق الأهل و الأصدقاء و حقيبة يد بها جواز السفر و التذكرة و رسائل خطية من الأقربين، لتخرج منها بقدمين بالكاد تدفعانها إلى الأمام و بحقيبة يد مقسمة إلى جيوب بها أدوية الكبد و السكري، بجانب الجيب المخصص للهاتف الحديث.

مرت سنوات عليها تعلّم و تعطي دون آمال سوى أجر كل شهر. خرّجت أجيالاً أحصتهم لتجدهم خمسة و ثلاثين.. خمسة و ثلاثون عاماً قضتهم في إعطاء أجزاء من روحها ببطء إلى أن خوت تماما، و لكنها -بكل عجب- مازالت قادرة على العطاء.

 إن قمت بسؤالها منذ خمس سنوات من الآن عن شعورها إن غادرت البلاد لقالت دون تردد “الرضا” ثم تبدأ بسرد ما حققت في سنواتها الطويلة هنا. لكن إن سألتها الآن ستقول و هي تبتلع غصة في حلقها “الرضا” ثم تلوذ بالصمت.

مرت على هذه السيدة أيام كانت فيها أبسط أمنياتها أن تدير ظهرها لكل شيء و ترحل إلى نفسها من جديد، لكن الظروف أقعدتها و كسرتها ثم تمعنت في كسرها. لم تكتفِ الظروف بمرارة كسر تلك البلاد لها بسلبها لحقوقها واحد تلو الآخر، و بالتفرقة بكل ما هو متعمد و غير متعمد.

لم تكن السيدة من هواة الشكوى، بل كان و لازال لسان حالها “إنني لراضية” ما اختلف بالفعل هو هذه الغصة التي تبتلعها و الصمت الثقيل الذي يتلو عبارات الرضا.

مر عليها الكثيرون و رأت أشكالاً و ألواناً و صنوفاً من البشر في تلك البلاد، بل و قدرت على التعايش في مجتمع ينعتها و أمثالها بالدخلاء. تعايشت في مجتمع انتقائي، زرع فيها الخوف من إبداء الرأي و طلب الحق بل أيضاً و التكاسل عنه لأنه أبلغها بكل ماهو مباشر و غير مباشر أنها ليست منهم و لا حق لها عندهم. أوصل لها بشتى الطرق رسالة فحواها “التزمي بآداب الزائر حتى لا تجدي نفسك و عائلتك خارج جنتنا.”. دربها ذلك المجتمع على ابتلاع الغصص كي لا تعود إلى وطن يسوء حاله يوماً بعد الآخر.

كانت تعلم أن العودة لا مفر منها لكنها لم تكن تعلم و هي تقدم على الالتحاق بمهنة التدريس في ثمانينيات القرن الماضي أن الخمس سنوات اللاتي خططت لهن سيمتددن إلى خمس و ثلاثين.

هذه قصة سيدة في بلاد على قدر ما أعطتها و منحتها، أكلت عليها و شربت.